الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
55
نفحات القرآن
باطلة ، لأنّ الحادث إن لم يحتج إلى علّة فإنّ كلّ موجود يجب أن يوجد في كلّ زمان وأي ظرف ، في حين نرى بوضوح أنّ الأمر ليس كذلك ، حيث يحتاج كلّ حادث لحدوثه إلى توفّر الشرائط والظروف الخاصّة . وهكذا بطلان الفرضية الثانية وهي ( أن يكون الشيء نفسه علّة لوجوده ) يعتبر أمراً بديهياً ، لأنّ العلّة يجب أن تكون قبل المعلول ولو كان الشيء علّة لنفسه فلابدّ أن يكون موجوداً قبل وجوده ممّا يستلزم اجتماع ( الوجود ) و ( العدم ) وهو ما يطلق عليه بالمصطلح العلمي ( الدور ) . وهكذا بالنسبة لبطلان الفرضية الثالثة ، حيث يكون معلول الشيء علّة لوجوده ، وهو أمر واضح لا يحتاج إلى توضيح . وأمّا بطلان الفرضية الرابعة التي تعني استمرار سلسلة العلل والمعلولات إلى ما لا نهاية فانّه بحاجة إلى إيضاح : ( التسلسل ) يعني استمرار سلسلة العلل والمعلولات إلى ما لا نهاية وهذا باطل عقلًا لأنّ كلّ معلول يحتاج إلى علّة ، ولو إستمرّت هذه السلسلة إلى ما لا نهاية ولم تنته بواجب الوجود فانّه يعني أنّ مجموعة من ذوات الحاجة غير محتاجة ، في حين أنّ ما لا نهاية من الفقراء والمحتاجين محتاجون حتماً . فلو تراكمت ما لا نهاية من الظلمات لا تتحوّل إلى ( نور ) ، وما لا نهاية من ( الجهل ) لا يكون ( علماً ) ، وما لا نهاية من ( الأصفار ) لا يكون ( رقماً ) . لابدّ إذن من انتهاء سلسلة العلل والمعلولات إلى موجود يحتاج شيئاً آخر . . وجود مستقلّ وغني ، وجوده من ذاته ، وبعبارة أصحّ أن يكون عين الوجود والوجود المطلق . وممّا ذكر نستنتج أنّ وجود الممكنات والحوادث في العالم لابدّ أن ينتهي بوجود واجب أزلي نسمّيه ( اللَّه ) سبحانه وتعالى .